أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

56

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

وفي هذا نظر ، لأن الظاهر على هذا القول أن يكون اقْرَأْ الثاني توكيدا للأول فيكون قد فصل بمعمول المؤكد بينه وبين ما أكده مع الفصل بكلام طويل . واختلفوا أيضا : هل ذلك الفعل أمر أو خبر ؟ فذهب الفراء « 1 » أنه أمر تقديره : اقرأ أنت باسم اللّه وذهب الزجاج « 2 » أنه خبر تقديره : أقرأ أنا أو أبتدئ ونحوه . و ( اللّه ) في « بسم اللّه » مضاف إليه وهل العامل في المضاف إليه المضاف أو حرف الجر المقدر أو معنى الإضافة ؟ ثلاثة أقوال خيرها أوسطها . وهو علم على المعبود بحق لا يطلق على غيره ، ولم يجسر أحد من المخلوقين أن يتسمى به ، وكذلك الإله قبل النقل والإدغام لا يطلق إلا على المعبود بحق . قال الزمخشري : ( كأنه صار علما بالغلبة ) وأما « إله » المجرد من الألف واللام فيطلق على المعبود بحق وعلى غيره قال تعالى : لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا « 3 » ، وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ « 4 » ، أَ رَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ « 5 » واختلف الناس هل هو مرتجل أو مشتق ؟ والصواب الأول وهو أعرف المعارف . يحكى أن سيبويه رئي في المنام فقيل « له » : ما فعل اللّه بك ؟ فقال : خيرا كثيرا لجعلي اسمه أعرف المعارف . ثم القائلون باشتقاقه اختلفوا اختلافا كثيرا فمنهم من قال : هو مشتق من لاه يليه أي : ارتفع ، ومنه قيل للشمس : إلاهة بكسر الهمزة وفتحها لارتفاعها ، وقيل : لاتخاذهم إياها معبودا وعلى هذا قيل : « لهى أبوك » يريدون : للّه أبوك فقلب العين إلى موضع اللام . وخففه فحذف الألف واللام وحذف حرف الجر . وأبعد بعضهم فجعل من ذلك قول الشاعر : 24 - ألا يأسنا برق على قلل الحمى * لهنّك من برق عليّ كريم « 6 » قال : الأصل : للّه إنك كريم عليّ فحذف حرف الجر وحرف التعريف والألف التي قبل الهاء من الجلالة وسكن الهاء إجراء للوصل مجرى الوقف فصار اللفظ : له ثم ألقى حركة همزة « إن » على الهاء فبقي : لهنّك كما ترى وهذا سماجة من قائله . وفي البيت قولان أيسر من هذا . ومنهم من قال : « هو مشتق من لاه يلوه لياها » ، أي : احتجب فالألف على هذين القولين أصلية فحينئذ أصل الكلمة لاه ثم دخل عليه حرف التعريف فصار اللاه ثم أدغمت لام التعريف في اللام بعدها لاجتماع شروط الإدغام

--> ( 1 ) يحيى بن زياد بن عبد اللّه بن مروان الديلمي إمام العربية أبو زكرياء المعروف بالفراء صاحب معاني القرآن ، توفي سنة سبع ومائتين عن سبع وستين سنة . ( 2 ) إبراهيم بن السريّ بن سهل أبو إسحاق الزّجّاج كان من أهل الفضل والدين وحسن الاعتقاد هكذا وصفه الخطيب ، توفي في جمادى الآخرة سنة إحدى عشرة وثلاثمائة . انظر البغية ( 1 / 411 - 413 ) . ( 3 ) سورة الأنبياء ، آية ( 22 ) . ( 4 ) سورة المؤمنون ، آية ( 117 ) . ( 5 ) سورة الفرقان ، آية ( 43 ) . ( 6 ) البيت لم أهتد لقائله . انظر الخصائص ( 1 / 315 ) ، أمالي القالي ( 1 / 266 ) ، الزجاجي ( 250 ) ، مجالس ثعلب ( 93 ) ، المقرب لابن عصفور ( 1 / 107 ) ، رصف المباني ( 44 ) ، المغني ( 1 / 231 ) ( 378 ) ، والخزانة ( 4 / 339 ) .